الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
139
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وظاهر الكلام أنّ الحذر صادر منهم وهذا الظاهر ينافي كونهم لا يصدقون بأنّ نزول القرآن من اللّه وأنّ خبره صدق فلذلك تردّد المفسّرون في تأويل هذه الآية . وأحسن ما قيل في ذلك قول أبي مسلم الأصفهاني « هو حذر يظهره المنافقون على وجه الاستهزاء . فأخبر اللّه رسوله بذلك وأمره أن يعلمهم بأنّه يظهر سرّهم الذي حذروا ظهوره . وفي قوله : اسْتَهْزِؤُا دلالة على ما ذكرناه ، أي هم يظهرون ذلك يريدون به إيهام المسلمين بصدق إيمانهم وما هم إلّا مستهزءون بالمسلمين فيما بينهم ، وليس المراد بما في قلوبهم الكفر ؛ لأنّهم لا يظهرون أنّ ذلك مفروض ففعل يَحْذَرُ فأطلق على التظاهر بالحذر ، أي مجاز مرسل بعلاقة الصورة ، والقرينة قوله : قُلِ اسْتَهْزِؤُا إذ لا مناسبة بين الحذر الحقّ وبين الاستهزاء لولا ذلك ، فإنّ المنافقين لمّا كانوا مبطنين الكفر لم يكن من شأنهم الحذر من نزول القرآن بكشف ما في ضمائرهم ، لأنّهم لا يصدقون بذلك فتعيّن صرف فعل يَحْذَرُ إلى معنى : يتظاهرون بالحذر وعلى هذا القول يكون إطلاق الفعل على التظاهر بمدلوله من غرائب المجاز . وتأوّل الزجاج الآية بأنّ يَحْذَرُ خبر مستعمل في الأمر ، أي ليحذر . وعلى تأويله تكون جملة قُلِ اسْتَهْزِؤُا استئنافا ابتدائيا لا علاقة لها بجملة يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ . ولهم وجوه أخرى في تفسير الآية بعيدة عن مهيعها ، ذكرها الفخر . وضميرا عَلَيْهِمْ و تُنَبِّئُهُمْ يجوز أن يعودا إلى المنافقين ، وهو ظاهر تناسق الضمائر ومعادها . وتكون ( على ) بمعنى لام التعليل أي تنزل لأجل أحوالهم كقوله تعالى : وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ [ البقرة : 185 ] . وهو كثير في الكلام ، وتكون تعدية تُنَبِّئُهُمْ إلى ضمير المنافقين : على نزع الخافض ، أي تنبئ عنهم ، أي تنبئ الرسول بما في قلوبهم . ويجوز أن يكون تاء تُنَبِّئُهُمْ تاء الخطاب ، والخطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أي : تنبئهم أنت بما في قلوبهم ، فيكون جملة تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ في محلّ الصفة ل سُورَةٌ والرابط محذوف تقديره : تنبّئهم بها ، وهذا وصف للسورة في نفس الأمر ، لا في اعتقاد المنافقين ، فموقع جملة تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ استطراد . ويجوز أن يعود الضميران للمسلمين ، ولا يضرّ تخالف الضميرين مع ضمير قُلُوبِهِمْ الذي هو للمنافقين لا محالة ، لأنّ المعنى يردّ كلّ ضمير إلى ما يليق بأن يعود إليه . واختيرت صيغة المضارع في يَحْذَرُ لما تشعر به من استحضار الحالة كقوله